الخميس، 28 أغسطس 2014

أهم خصائص التفكير العلمي في فلسفة العلم.



1- بدء البحث بشك منهجي إرادي: ويراد بهذا الشك تطهير العقل من كل ما يحويه من أفكار سابقة حول الموضوع الذي يخضع للدراسة، هذا الشك عنصر من عناصر اليقين، يمكّن الباحث من أن يحتفظ بحرية ذهنه كاملة، ويحرره من ضغط الأفكار الخاطئة التي تستبد بتفكيره، وتعوق إنطلاق عقله.

2- إستقاء الحقائق من التجربة وحدها: فالعلم يبحث في ظواهر جزئية تخضع لحواسنا، وبمنهجه الإستقرائي ترتبط هذه الوقائع بعلاقات عليِّة ثابتة، والتثبت من نتائج هذه المعرفة العلمية إنما يكون بالرجوع إلي الواقع، أي بإستيفاء التجربة الحسية وحدها.
و منهج البحث العلمي يحذر من الأخذ بحقيقة يتلقاها عن غيره، إلا إذا قام بتمحيصها بنفسه ما أمكنه ذلك، أو وثق بصاحبها وكانت الحقيقة لا تدخل في إختصاصه. إن شهادة الغير كثيراً ما يفسدها إفتقارهم إلي دقة الملاحظة وسداد التفكير، أو التسرع في إصدار أحكام لا تبررها مقدمات، أو تَحَيُّزهم إلي رأي دون رأي... أو غير ذلك مما يشوّه الحقائق.

3- التسليم مقدماً بمبادئ الحتمية والجبرية (في غالبية الظواهر وليس جميعها): فالظواهر يتحتم وقوعها متي توافرت أسبابها، ويستحيل أن تقع مع غياب هذه الأسباب، وهذه الإستحالة هي ما يسمي بالضرورة، فإذا ثار بركان وأقي بحِمَمه، دلَّت هذه الظاهرة علي توافر أسباب أحدثتها، وهي أسباب طبيعية لا ترجع إلي قُوي خفية أو غيبيات يتعذر التثبت منها بالخبرة الحسية. ومتي توفرت علل ظاهرة، تيسر التنبؤ بوقوعها مقدماً، وهذا التنبؤ هو طابع العلم و روحه، وهو وليد إطّراد العلاقات بين الظواهر، وهو يشهد بأن وقوع الحوادث في نظر العلم ضروري وليس ممكناً أو محتملاً.

4- النزوع إلي التكميم: أي تحويل الصفات والكيفيات إلي مقادير كمية، فإذا عرض الباحث لدراسة الضوء أرجعه إلي طول الموجات وقصرها، وإذ درس الصوت ردّه إلي سعة الذبذبة، وإذا بحث في الحرارة حوّلها إلي موجات حرارية، أو نظر في اللون أحالها إلي موجات ضوئية يحدثها... وهلم جرّا؛ وبهذا يتيسر للباحث أن يعبر عن الخواص الكيفية بمقادير كمية، من أجل هذا كلف العلم بالقياس والوزن، واختُرِعت تيسيراً لأبحاثه آلات وأجهزة تساعد علي تحقيق هذا العرض.

5- إلتزام الموضوعية: ويراد بها إقصاء الخبرة الذاتية لمعرفة الأشياء كما هي في الواقع، وليس كما يشتهي الباحث ويتمني، وفي هذا يختلف العلم عن الفن في كل صوَره، لأن الخبرة الذاتية أساس الفنون والآداب، فالفنان ينظر إلي الشئ الذي يصوره -إن كان مصوراً- أو ينظمه -إن كان شاعراً- من خلال عواطفه وأحاسيسه وإنفعالاته وأخيلته، أما العالم فإن منهجه العلمي يقتضيه أن ينظر إلي موضوع بحثه كما هو في الواقع، إن الفنون ابتداع ذهني تلقائي، وأما العلم فيقوم علي وصف الأشياء وتقرير حالتها كما هي في الواقع، والشخصية الفردية في الفن تحتفظ بذاتها علي مر الزمان، ومن هنا قيل في التفرقة بين شخصية الفنان وشخصية العالم: الفن أنا والعلم نحن! فيما يقول "كلود برنار"، فإذا عرض لدراسة موضوع واحد مجموعة من العلماء، انتهوْا في آخر المطاف إلي نتائج واحدة، وإختلف بعضهم مع بعض حسموا الخلاف بالإلتجاء إلي الواقع، ومحك الصواب عندهم هو "التجربة" التي يمكن تكرار إجرائها -للتثبت من صحة النتائج- بطريقة موضوعية خالصة، أما في حالة الفن فإن المنظر الواحد يصوره الفنانون أو الشعراء في صورٍ شتي أو قصائد متباينة، بمقدار ما يكون بينها من تفاوت وتباين، ويمكن أن تكون عبقرية كل من أصحابها.

6- الحاجة إلي الثقافة الواسعة: بمعني أن يقف العالم علي كل ما يعنيه علي فهم موضوعات علمه، فالطبيب لا يكفيه أن يُلمَّ بعلم الأحياء، وإنما يتعين عليه أن يزاول علمي الكيمياء والطبيعة معاً، ويتعمق دراسة علم النفس، ومن أجل هذا عمدت كليات الطب إلي تدريس علوم مختلفة مساعدة للطب في سنة إعدادية! وبسبب هذا أيضاً ظهرت أكثر مكتشفات العلم علي أيدي شيوخ طاعنين في السن، مثل (داروين - لامارك) ومن إليهما، بل إن "كلود برنار" يوصي من يُعِدّ نفسه لأن يكون عالماً، بأن يتزود بثقافة واسعة في فلسفة العلم

نبذة عن نشوء الفلسفة الماركسية.



"إن الأهمية التاريخية العالمية لنشوء الفلسفة الماركسية هي، بالتالي، في كونها حملت النصر النهائي للإتجاه المادي العلمي الوحيد في الفلسفة وخلقت شكلاً أرقي من المادية هو المادية الديالكتيكية.
إن مادية ما قبل عصر ماركس لعبت دوراً عظيماً في النضال ضد المثالية الفلسفية -التي تقول بأسبقية الفكر علي المادة- واللاهوت وفي الدفاع عن مواقع العلم. ولكن ضيق أفقها التاريخي اعاقها عن ربح المعركة الحاسمة ضد المثالية وعن تأكيد مبادئ المادية تأكيداً نهائياً.
وثمة أهمية خاصة في إنتصار أفكار التطور في علم الطبيعة ساعدت علي إنتصار الفلسفة المادية، تعود لإكتشافات ثلاثة عظيمة في علم الطبيعة: اكتشاف الخلية النباتية والحيوانية وقانون حفظ وتحول الطاقة ونظرية داروين عن منشأ وتطور أجناس النبات والحيوان. فلقد أظهرت هذه الإكتشافات الطابع الديالكتيكي لتطور الطبيعة. وبالإستناد إلي تطور علم الطبيعة تغلَّب ماركس وإنجلز علي ضيق الأفق الميتافيزيقي الذي عانت منه المادية القديمة، وأعطيا المادية طابعاً ديالكتيكياً.
وكان هذا إنتصاراً عظيماً في تاريخ الفكر الإنساني: فقد نشأت نظرية فلسفية تعالج الطبيعة كلها من مظاهرها البسيطة إلي مظاهرها المعقدة ككل موحّد وتفسر علمياً كل العمليات والظواهر بالتطور القانوني للمادة وإنتقالاتها الذاتية من حالة إلي أخري، من أشكال أدني إلي أشكال أرقي. وعني هذا إنهزام المثالية الفلسفية التي كانت تعيش عيشة طفيلية علي حساب بعض مسائل العلم.
ولقد عبَّر ماركس عن الخاصة الحاسمة في المادية الديالكتيكية والتاريخية في احدي المشروعات المبكرة لنظريته الجديدة في "موضوعات عن فيورباخ":
"إن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بصور مختلفة، ولكن القضية هي في تبديله".
وظهر في عام 1848 "بيان الحزب الشيوعي"، الذي كتبه ماركس وانجلز بطلب من اتحاد الشيوعيين. ويتضمن هذا المؤلَّف الشهير، ليس فقط أول منهاج علمي للحزب الشيوعي، وإنما يعرض أيضاً النظرة الجديدة إلي العالم التي صاغها ماركس وإنجلز.
وقبل ذلك كانت الفلسفة بعيدة عن الشعب، عن منتجي الخيرات المادية الذين كان عملهم. في جميع العصور أعمق أساس للتقدم الإجتماعي. أضف إلي ذلك أن أغلب نظم الفلسفة، كانت تري في عمل الجماهير الشعبية أقل أشكال النشاط الإنساني خصوبة في مجال تطور المجتمع.
وها قد حلَّت اللحظة التي هبطت فيها الفلسفة من السماء إلي الأرض. لقد أكَّدت الفلسفة الماركسية أن الدور الحاسم في حياة المجتمع هو دور عمل الجماهير الشعبية. وقد أعلنت، علي عكس التقاليد المثالية، أن أناس العمل بالذات "هم ملح الأرض". وبيّن ماركس في مقالته "نحو نقد فلسفة الحق الهيجلية" عدم ثبات المثالية الفلسفية والفهم المثالي للتاريخ. وينادي بالدور التاريخي العالمي للبروليتاريا بإعتبارها القوة الوحيدة القادرة علي منح الحرية للإنسانية الشغيلة كلها".

- المادية الديالكتيكية: تأليف جماعة من الأساتذة السوفييت.

خصائص الفلسفة الصوفية.


الفلسفة الصوفية، في كل العهود وفي كل أنحاء العالم، تتميز بمعتقدات، نستعرضها في ما يلي:

1- الإعتقاد في الإدراك مقابل المعرفة التحليلية، والإعتقاد في الحكمة، في الفجائية، في الاختراق، والتي تتعارض مع الدراسة البطيئة المتأنية للمظهر الخارجي بواسطة علم يعتمد كُليَّةً علي الحواس. كل من بمقدورهم استقبال الإدراك بعاطفة داخلية لابد وأنهم قد خبروا في أوقات معينة الإحساس الغريب بعدم حقيقة الأشياء المعتادة، فقدان الإتصال بالحياة اليومية، حيث يضيع فيها تماسك العالم الخارجي وتبدو معه الروح في وحدة مطلقة، وتُخرج للوجود من أعماقها الخاصة تلك الخيالات المجنونة الرائعة التي تظهر حقيقة ومشتعلة و حيّة.

2- الإدراك الصوفي العميق يبدأ بإحساس انكشاف الغموض، بالحكمة المتوارثة التي تصبح الآن وبصورة فجائية أقرب للتأكيد دون احتمال للشكِّ. الإحساس باليقين والإلهام يبدآن مبكراً عن أي اعتقاد مؤكد. المعتقدات المؤكدة التي يصل إليها الصوفي هي نتيجة التأمل في الخبرة الفكرية التي يكتسبها في لحظة الإشراق.
وتكون النتيجة الأولي والمباشرة للحظة الإشراق هي الإعتقاد في إمكانية وجود طريقة أُخري للمعرفة يمكن أن تسمي بالحوي، اليقين أو الحدس (والحدس هو شعور وجداني أو باطني بالمعرفة)، في مقابل الحاسة والعقل والتحليل، والتي ينظر إليها علي أنها الدليل الأعمي الذي يقود إلي الوهم. يرتبط بهذا الإعتقاد بشدة تصور وجود حقيقة وراء عالم الظاهر تختلف تماماً عنه. هذه الحقيقة ينظر إليها بإعجاب عادةً ما يقترب إلي حد العبادة، إذ عادةً ما يوجد إحساس دائم وفي كل مكان أنها في متناول قبضة اليد، رغم أنها محتجبة وراء الظلال الرقيقة للحواس لكنها متاحة للعقل القابل لإستقبالها فتشرق بكل عظمتها علي الرغم من محدودية الإنسان؛ فالشاعر والفنان والعاشق، كلهم يسعون وراء هذه الروعة، إنه الجمال الآسر الذي يلهثون خلفه في الضوء الخافت لنوره، ولكن الصوفي يعيش في النور الساطع للرؤية، فما يسعي الآخرون في طلبه، يعرفه هو معرفة يُعد كُلَّ ما عداها جهلاً.

3- الخاصية الثالثة للصوفية: هو إعتقادها في التوحّد و رفضها القبول بالإنقسام أو التجزء والتعارض في أي شئ.

4- الخاصية الرابعة: هي إنكار حقيقة الزمن. ويُعَدُّ ذلك نتاج لإنكار الإنقسام، فإذا كان الكل واحداً، فالتفرقة بين الماضي والمستقبل لابُدَّ وأنها وهمية.
5- آخر عقائد الصوفية التي يجب النظر إليها بعين الإعتبار: هي الإعتقاد في أن كل الشر ما هو إلا مجرد مظهر، مجرد وهم نتج عن الإنقسامات والتعارضات للعقل التحليلي. الصوفية لا تؤمن بأن القسوة علي سبيل المثال خير، ولكنها تنكر أنها حقيقية، فهي تنتمي لذلك العالم الأدني من الأشباح الذي يجب أن نتحرر منه بالإدراك العميق.

وفي النهاية نجد أن ما يعد مميزاً لأخلاق الصوفيين هو غياب القنوط أو الاعتراض عندهم، فهم يقبلون بغبطة عدم الإعتقاد في الحقيقة النهائية بالإنقسام إلي معسكرين متضادين، هما الطيب و الخبيث. هذا السلوك هو النتاج المباشر لطبيعة الخبرة الصوفية؛ فإحساسها بالوحدة يرتبط به إحساس بالسلام يُنتج، كما تؤدي الأحاسيس في الأحلام، النظام الكامل للعقائد المتصلة التي تُشكل جوهر العقيدة الصوفية. ولكن هذا الإفتراض صعب، ولا يمكن أن نأمل في موافقة البشر عليه.

منهج العلوم الرياضية تبعاً لفلسفة الرياضيات.


 
 يجب أولاً أن نبدأ بتعريف القياس الصوري المستخدم في الرياضيات البحتة: علي انه هو كل قول يتألف من قضيتين (أو أكثر) متي سلّمنا بصحتهما لزم عنهما بالضرورة قضية ثالثة. وكانت غاية القياس الصوري هي الإستنباط الصادق أو عدم تناقض الفكر مع نفسه، لأن نتائجه تكون صادقة بالقياس إلي المقدمات لا بالقياس إلي الواقع.
و يعنينا من هذا المنهج القياسي الرياضي أن صاحبه يبدأ من مسلمات، وهي إما بديهيات أو مصادرات؛ فأما البديهيات أو الأوليات (Axioms) فهي قضايا بديهية واضحة بذاتها لا تقبل برهاناً، لأن من يعرف معاني حدودها، يُسلم بصحتها دون حاجة إلي دليل، وهي تدرك برؤية مباشرة أي بالحدس، أو عن طريق الخبرة الحسية أو عن طريق التفكير الإستنباطي العقلي، وهي أولية فطرية، كالبديهية المنطقية التي تقول إن الشئ لا يمكن أن يكون موجوداً أو غير موجود في آنٍ واحد، أو التي تقول إن الكل أكبر من جزئه، وكالبديهية الرياضية التي تقول إن المساويين لثالث متساويان... إلخ.
أما المصادرات فهي قضايا يفترض العالم صحتها منذ البداية مجرد إفتراض، بشرط ألا يعود فيفترض صدق نقيضها، لأن النقيضين لا يصدقان معاً؛ وإذا كان إنكار البديهية يؤدي إلي تناقض، فإن إنكار المصادرة لا يوقع في التناقض، إلي جانب أن المصادرة لا ينشأ اليقين فيها من أنها واضحة بذاتها، بل لأنها فروض قد افترض الباحث صحتها منذ البداية مجرد إفتراض، لمنفعتها أو لأنها لا تسْلم إلي تناقض، كأنما كان الرياضي يتقدم منذ البداية بطلب يقول فيه: سلِّمْ معي منذ البداية بكذا وستري أنك مضطر منطقياً إلي التسليم بكل ما أستنبطه من هذه البداية المفترضة. فالمصادرات مجرد فروض يسلم العالم بصحتها منذ البداية بغير برهان علي صوابها -بعكس الفروض في العلوم التجريبية، لأن هذه لا تكون صادقة إلا بعد التثبت من صوابها بالخبرة الحسية- ومن مصادرات إقليدس: كل الزوايا القائمة متساوية، الخطان المستقيمان يتقاطعان في نقطة واحدة إلخ..
ولكن غير إقليدس من العلماء قد يفترض صحة مصادرات مختلفة أخري، دون أن يكون موضع اعتراض من أحد، طالما كان لا يناقض نفسه.
ولكن المحدثين من الرياضيين لا يقيمون وزناً للتفرقة السالفة بين البديهية والمصادرة، لأن الذي يعني العالم أن كليتهما قضية مسلمة، وهما يقومان بدور واحد كنقطة بدء يقينية، ومن ثم تتيح للعالم أن يقيم علماً متسقاً منتجاً. وذلك إنما يكون عن طريق الإستنباط العقلي من هذه المقدمات، فيصل متدرجاً إلي نتائج هذه النظريات وتكون النظريات -في العلوم الصورية كالرياضة والمنطق- صادقة بالقياس إلي مقدماتها المفترضة وليس بالقياس إلي الواقع، كما هو الشأن في قوانين العلم التجريبي الواقعي، ومن أجل هذا كله قيل إن العلوم الرياضية علوم فرضية صورية إستنباطية.

تحليل مبدأ "السلطة" عند ميشيل فوكو.



نجد في المعجم الفلسفي لجميل صليبا أنّ "السلطة في اللغة، القدرة والقوة علي الشئ، والسلطان الذي يكون للإنسان علي غيره... وجمع السلطة سلطات، وهي الأجهزة الإجتماعية التي تمارس السلطة كالسلطات السياسية والسلطات التربوية والسلطات القضائية وغيرها".
فنجد من هذا التعريف أن السلطة عموماً سياسية أو غير سياسية لا تقوم إلّا في جماعة، وعلي ذلك فإن ظاهرة السلطة عموماً هي ظاهرة إجتماعية. فليست السلطة السياسية وحدها هي التي تتمتع بخاصية الإجتماعية وإنما يشاركها في ذلك السلطات القائمة في التجمعات الإنسانية الأخري. ومصادر هذه السلطة الإجتماعية متعددة كالثراء المادي والمركز الإجتماعي الذي يحتلّه شخص ما، والذي قد يكون ناتجاً عن شغله لوظيفة حكومية وقد يكون مصدر لسلطة أيضاً هو العلم والثقافة أو الفنّ، فكبار العلماء والخبراء والفنانين يتمتعون بسلطة يمكنهم بواسطتها أن يؤثروا علي سلوك الآخرين.
ونجد أن عالم الإجتماع ماكس فيبر، يعتبر العنف هو الوسيلة الطبيعية للسلطة، من حيث احتكارها وشرعنتها. وفي ذلك نجده يبحث عن أسس لهذه الشرعية، ويحددها في ثلاثة نماذج للسلطة:

أ- نموذج تقليدي يستند إلي نفوذ "الأمس الأزلي" ويتمثل في سلطة الأعراف وقداسة الإعتقاد في "السلف".

ب- نموذج السلطة الخارزماتية أو اللدنية (Charismatique) المبنية علي الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص استثنائي بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية.

جـ- السلطة القانونية المستمدة من الاعتراف بمعقولية التشريعات والقوانين.

ونجد أن هذا التصنيف الذي يقيمه "فيبر"، هو في الواقع إجابة علي أسئلة كان طرحها بخصوص السيطرة والخضوع، أي في أيّة شروط يخضع الناس وعلي أية وسائل تستند السيطرة التي تخضعهم. فالشرعية التي يبحث عنها فيبر، هي ما تبحث عنه كلّ سلطة، أي أنها تبحث عن الاعتراف بها، لا فقط بمعرفتها والتعرف عليها، بل أيضاً بتجسيدها وممارستها، بتوازنها واختلالها، بمرونتها وعنفيتها، بتخفيها وتجليها في صلب العلاقات الاجتماعية.
ويسوق في ذلك جملة من الملاحظات تتعلق بفعالية السلطة، بوسائلها وخصائصها. فمن حيث الفعالية تظهر السلطة بمظهر "غائي" حيث تتجلي قدرتها في التأثير الفعلي علي الأشخاص والوقائع. ويعتبر "فيبر" السلطة علي أنها "القدرة علي إجبار الآخرين ضمن هذا النظام أو ذاك من العلاقات بين الأفراد وبين الجماعات... أو هي الإمكانية المتاحة لأحد العناصر داخل علاقة اجتماعية معينة، يكون قادراً علي توجيهها حسب مشيئته، ولتحقيق ذلك لا تلجأ السلطة فقط إلي الاكراه والقسر، بل تستعمل وتستثمر الأعراف والطقوس والاحتفالات لتؤمن استمرارها وتجدد دورها في المجتمع، فهي تستعمل جملة من الرموز المعبرة عن وجهها المزدوج في بحثها عن الوحدة الداخلية للجماعة وفي التصدي للمخاطر الخارجية القائمة أو المحتملة. ولقد حدد "بالاندييه" للسلطة خصائص يجملها كالتالي: المحافظة، اللاتساوق، القداسة و اللّبس. فالسلطة تدعو إلي احترام القواعد وتحث علي طاعتها لتؤمن الاستقرار، وتتعرض إلي أقل ما يمكن من التحولات، ولتتقي كل أشكال الفوضي الممكنة، وهي إذ تفعل ذلك بكلّ الوسائل المتاحة لها، إنما تقوم به لتحافظ علي مراتبية اجتماعية معينة يتدخل في تحديدها "الجنس والعمر والموقع الإجتماعي والاختصاص والصفات الشخصية". أي انها تحافظ علي هرمية معينة وتعمل علي إعادة انتاج العلاقات الإجتماعية التي تولّد الهيمنات والتعبيات. هذا التفاوت واللاتساوق في العلاقات الإجتماعية يولّد قداسة كمونيّة حاضرة دوماً داخل السلطة. فـ"الفرد بمجرد أن يمارس سلطة علي الآخرين، فإنه يشعر بسموّ ذاته وأن إرادته تعلو علي إرادة الخاضعين. ويطلق "دي جوفنيل" علي هذه الحالة التي تنتاب الفرد حينما يتولي السلطة اصطلاح "الأنا الحكومية".. ومضمون فكرة "الأنا الحكومية" أن ممارسة السلطة تخلق لدي الحكّام شعوراً بالسمو، وحتي لو كان الحاكم فرداً عادياً من أفراد الشعب فإنه بعد ممارسة السلطة يتولد لديه إحساس بأنه مختلف عن أمثاله من أفراد الشعب وأنه يتمتع بإرادة من طبيعة سامية، ومن هذا أيضاً نجد أن هذا التعالي والتسامي هو الذي يولّد فعلياً الإيمان بقداسة السلطة وحتي بقداسة من يمارسونها".

- ميشيل فوكو: المعرفة والسلطة.

نبذة عن مشروع فلاسفة.


إننا عندما ندعو إلي التنوير، لا نقصد بهذه الدعوة أن نتمسك بتراث الفلاسفة التنويريين متوهمين أن المستقبل متي جاء علي صورة الماضي، أمكن لنا أن "نزيل كبوتنا" ونحقق نهضتنا، فمثل هذا الموقف الذي يُضفي علي التراث التنويري قداسة ما بعدها قداسة ويحيله في نهاية المطاف من تراث بشري إلي أسطورة جامدة متحجرة قد تدفع البعض إلي تقليده تقليداً تاماً أو تحويله إلي "دوجما" مقدسة.
ولكننا لا نري ذلك، إننا نري ان التنوير ليسه له صيغة واحدة ثابتة لا تتغير بتغير العصور والشعوب، فالتنوير لا يمكن أن يتحول إلي دوجما أو كيان بعيد كل البعد عن المرونة ومتطلبات الواقع المعاش، ومن ثم فإن التنوير -تبعاً لنا- لا يستورد كما تستورد الأجهزة العلمية والإبتكارات التكنولوجية، بل أنه يخضع لعملية معقدة من التفاعل والمعايشة والصراع والتمثل والإبداع، فالتنوير لا يُفرض من الخارج علي نحو قسري كما أنه لا ينقل من مجتمع إلي آخر كما تُنقل بقية السلع والخدمات. وهو لا يكتسب معناه أو دلالته بمعزل عن طبيعة كل شعب وكل عصر، ولو أدركنا التنوير علي هذا النحو، كنا قد حررنا معناه من الإرتباط بحضارة معينة أو شعب معين، فلكل الحق في التنوير بالصورة التي يراها أكثر توافقاً معه من غيرها من الصور.
والحق إن فلسفة التنوير لدينا ليست أسطورة مقدسة؛ بل تعرضت للعديد من الإنتقادات، نذكر منها علي سبيل المثال: نقد "هيجل"؛ فقد كان أنصار الثورة الفرنسية يقولون أنها تمثل تحرير العقل من أوهام الإستبداد، وتعني بإنتصار الإنسانية جمعاء، لكن التجربة أكدت بعد سنوات قليلة أن الدعوة باطلة، إذ كان علي الثوريين أن يحرروا العقل بقوة السلاح ولجأوا إلي إرهاب فاق تعسف الإستبداد التقليدي كما اضطروا إلي استغلال البلاد التي احتلوها ليمولوا حروبهم التوسعية، وبذلك انقلب حكم العقل إلي إرهاب في الداخل واستغلال في الخارج. ومن هنا فإن فلاسفة ألمانيا الكبار من "فختة إلي هيجل" عاشوا هذه التطورات. صفقوا لإندلاع الثورة وإعلان حقوق الإنسان ثم عارضوا الإرهاب وحروب "نابليون" التوسعية. ومن ثم ذهب "هيجل" إلي القول بأن دعوة فلسفة التنوير للعقل وإن كانت ضرورية، لكن العقل في مفهومها كان مجرداً وفارغاً من أي مضمون؛ صحيح صحة تامة مادام مجرداً، أما إذا طُبْق علي الواقع فإنه يعطي الدليل الفوري علي عجزه، لأن المجرد لا يعطي مقياس للتعامل مع الواقع وهكذا ينشأ الإرهاب، فالإرهاب هو ارتطام العقل المجرد بالواقع المحسوس. ومن ثم بدت طموحات وأفكار عصر التنوير مجردة في طبيعتها وصميمها، وبدلاً من اكتشاف العقلانية الكامنة في العملية التاريخية، اتجه فلاسفة التنوير إلي وضع نظام عقلي مثالي بديلاً للعالم الواقعي.

فعلينا، هاهنا، أن نأخذ الواقع المتمثل أمامنا، والظروف التي تحيط بنا، أساساً للتقدم عبر القراءة الواعية، مضموناً للفكر عبر النقد والتمحيص، فإننا عندما ندعو للعقل فإننا ندعو إلي مراجعة شاملة لكل حيثيات الثقافة التي ورثناها سلفاً، بدايةً من المقدسات والمحرمات المتعالية إلي الأفكار العادية البسيطة التي يتعامل بها رجل الشارع البسيط؛ وبهذا يكون التنوير، بهذه الإنتقادات والتمحيصات نجد أنفسنا قد هدمنا الخرافات، وحررنا أنفسنا من القيود التي كبْلتنا، والديكتاتوريين الذين ساروا فوق أكتافنا -بإستغلالهم جهل العامة و إحتياجاتهم الطبيعية- مراراً و تكراراً؛ بعد أن مهْدنا لهم الطريق بكل سهولة. علينا أن نأخذ إحتياطاتنا هذه المرة، فلا بأس من الخطأ لأن التجربة هي خير مُعلْم، وأن نسير نهج المفكرين الأحرار الذين لا يخضعون إلا لسلطة العقل الحيّ النابض بالأفكار الحاضرة والمستقبلية، نُقدْم الواقع علي الفكر، ونأخذه -بكل ما فيه- معياراً-وليس نموذجاً- للحكم، فمادام الواقع توافق مع العقل، ومادمنا قد هدمنا الأفكار الغيبية والخرافية التي كبْلتنا، ومادمنا قد حررنا أنفسنا بالعلم المنهجيّ والعقل المادي، فإننا هاهنا قد وصلنا إلي ما أردناه، وهذا ما نقصد به من التنوير، وهذا ما ينبغي عليه أن يكون، كما نعتقد.

نبذة بسيطة عن المعتزلة.


-لِمَ سموا معتزلة؟
كان واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد من تلامذة الحسن البصري، ولما أحدثا مذهبا وهو أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر، إعتزلا حلقة الحسن البصري وجلسا ناحية في المسجد فقال الناس: انهما اعتزلا حلقة الحسن البصري فسموا معتزلة. لذلك قال "القاضي عبد الجبار" وهو رئيس المعتزلة: كلما ورد في القرآن من لفظ الإعتزال فإن المراد منه الإعتزال عن الباطل.

(فِرَق المعتزلة):
اعلم انهم سبعة عشر فرقة:

الفرقة الأولي: الغيلانية:
أتباع غيلان الدمشقي. وهؤلاء يجمعون بين الاعتزال والارجاء. وغيلان هذا هو الذي قتله هشام بن عبد الملك سابع خلفاء بني مروان.

الفرقة الثانية: الواصلية:
اتباع واصل بن عطاء الغزال، وهو أول من قال: إن الفاس ليس بمؤمن ولا كافر ولا مشرك. ومن مذهبهم أن عليا وطلحة لو شهدا في شئ واحد فشهادتهما غير مقبولة. وان شهد فيه كل واحد منهما مع شخص آخر فشهادته مقبولة.

الفرقة الثالة: العمرية:
اتباع عمرو بن عبيد. ومن قولهم ان شهادة طلحة والزبير غير مقبولة بوجهٍ ما.

الفرقة الرابعة: الهذيلية:
اتباع ابي الهذيل. ومن مذهبهم ان خالقية الله قد انتهت إلي حد لا يقدر أن يخلق شيئاً آخر.
*
الفرقة الخامسة: النظامية:
أتباع ابراهيم بن سيار النظام. ومذهبهم ان العبد قادر علي اشياء لا يقدر الله علي خلقها. والإجماع وخبر الواحد والقياس ليس بحجة عند هؤلاء.

الفرقة السادسة: الثمامية:
اتباع ثمامة بن أشرس. وكان في زمن المأمون، ومن مذهبهم أن الفعل يصح من غير الفاعل.

الفرقة السابعة: البشرية:
اتباع بشر المعتمر وعندهم ان اللطف غير واجب علي الله.

الفرقة الثامنة: المعمرية:
اتباع معمر بن عباد السلمي. وهم يثبتون النفس الناطقة كما هو مذهب الفلاسفة. ويثبتون في الجسم معاني غير متناهية.

الفرقة التاسعة: المزدارية:
اتباع ابي موسي بن عيسي بن مسيح المزدار. وهو تلميذ بشر وأستاذ جعفر الحرث، وجعفر بن المبشر.

الفرقة العاشرة: الهشامية:
اتباع هشام بن عمرو القوطي. وقد كان يمنع من قول: حسبنا الله ونعم الوكيل. لأنه لا يجوز اطلاق اسم الوكيل علي الله.

الفرقة الحادية عشر: الجاحظية:
اتباع عمرو بن بحر الجاحظ. ومن قولهم ان المعارف ضرورية.

الفرقة الثانية عشر: الكعبية:
اتباع ابي قاسم الكعبي، وهم يقولون ان الله تعالي ليس سميعا ولا بصيرا ولا مريدا.

الفرقة الثالثة عشر: الجبائية:
اتباع ابي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي. ومن مذهبهم أنه يجوز ان يكون العرض الواحد في حالة واحدة موجوداً ومعدوماً. وألزموا هذا في القرآن.

الفرقة الرابعة عشر: البهشمية:
اتباع ابي بهشم عبدالسلام بن أبي علي الجبائي. وهم يثبتون الحال. ويجوزون ان يعاقب الله تعالي العبد من غير أن يصدر عنه ذنب.

الفرقة الخامسة عشر: الأحشدية:
اتباع احشد بن أبي بكر. وهم يكفرون أبا هاشم وأتباعه.

الفرقة السادسة عشر: الخياطية:
اتباع ابي الحسن عبد الرحيم الخياط. وهم يقولون ان الجسم في العدم جسم حتي انهم لزموه ان يكون ركاباً فرساً معدوماً.

الفرقة السابعة عشر: الحسينية:
اتباع ابي الحسن علي بن محمد البصري. وهو تلميذ القاضي عبد الجبار، ثم خالفه ونفي الحال والمعدوم والمعاني وجوز كرامات الأولياء ونفي المريدية عن الله.

المصدر: - فخر الدين الرازي: إعتقادات فرق المسلمين والمشركين.